أقلام بابلون تايمز

 

 

  

ذو الكفل... نبي أم ولي صالح ؟؟   *

 د . عدنان عبد الكريم الظاهر 

رجعت بي مقالةٌ حول مقام ذي الكفل ( المؤتمر/ العدد 293 في 23 شباط من هذا العام ) القهقرى ... الى أيام الصبا ثم الشباب حيث كانت لي ذكريات حية مع ( ذي الكفل )  وقعت في ناحية الكفل نفسها .

  صيف 1946

  1- كنت صيف عام 1946 في ناحية الكفل وقضيت بعضا من الوقت في مدرستها الأبتدائية . وكان معنا في نفس الصف صبي يهودي من سنّي يومذاك إسمه ( يكتور خضوري ) , يكتور وليس فيكتور, الأسم اليهودي المشهور. رجوته ذات يوم أن يريني مقام ذي الكفل ففعل.. أخذني ذات عصرية الى المكان وقدمني الى أمه التي كانت مشغولة بأعداد طعام العشاء لأفراد عائلتها . كانت تطبخ الرز وكانت تهيّء الدهن لرشه فوق الرز. لفت انتباهي أن ذلكم الدهن مختلف عما ألفته في بيتنا من دهن حيواني أصفر اللون شهي الرائحة. سألت والدة يكتور ( خالة, شنو هذا ؟ ) قالت هذا دهن , دهن الشيرج . ما كنت قبلا قد سمعت بهذا الأسم. وإذْ لاحظت السيدة الوقورة اهتمامي بما كان بين يديها من طعام قالت لي : إبقَ معنا على العشاء، سأطبخ لك طعام اسلام . شكرتها وكنت أعاني حقا من خوف ورهبة منها ومما كانت تعد من طعام. شعرت برهبة رغم أن السيدة اليهودية كانت كوالدتي تماما تغطي رأسها بفوطة سوداء .

كان المكان مكونا من باحة كبيرة مربّعة الشكل تتوزع على جهاتها الأربع غرفٌ كبيرة تشغل كلا منها عائلة واحدة كاملة . طلبت من يكتور خضوري أن يريني مقام الكفل ( ما كنا نسميه ذا الكفل ) فأخذني الى واحدة من تلك الغرف . ما كانت فيها أو أمامها حراسة . دخلتها وكانت غرفة عادية مرتفعة قليلا يتوسطها قبرٌ عالٍ - أعلى من قامتي يومذاك - خيّلَ لي أن القبرَ العالي هذا لا شيء سوى دكة مرتفعة عن الأرض فسألت صاحبي : وأين قبر الكفل ؟ أشار الى الدكة العالية قائلا هذا هو القبر. كان القبر مغطى بقطعة من القماش السميك الثمين الذي يعلقه الأثرياء ستائرَعلى نوافذ بيوتهم . كانت تتدلى حتى تلامس الأرض . وكان لون القماش نيليا غامقا أو أرجوانيا غامقا .... على قدر ما تسعفني الذاكرة . قارنت ما أرى على الفور مع ما كنت أرى وأنا في صحبة والدتي صغيرا حين تزور العتبات المقدسة في كربلاء والنجف . سألت نفسي أين الثريات والسجاد الفاخر ومنائر الذهب ؟ أين الكلندارية وأهل الكشايد والمزوِّرون والمطالبون بالنذور ودكان حارس الأحذية ( الكشوان ) الذي يلتقط أحذية الزوار بعصا طويلة خاصة تنتهي برأس مدبب معقوف مثل شص صيد السمك ؟   

قال لي يوما أحد زملاء المدرسة أن اليهود يزورون ناحية الكفل مرة واحدة كل عام ويمضون فيها ليلة واحدة عادة.  وتكون المناسبة عيدا لأهل الكفل ذاتهم اذ ينتعش سوق البيع فضلا عن الجو البهيج الذي يضفيه حضور يهود بغداد الأثرياء بشكل خاص إذْ يأتون بسياراتهم الفارهة وملابسهم الجميلة حاملين معهم ما لذَّ وطابَ من طعام وشراب يوزعون ما يتبقى منه على أهل المدينة. سألته وأين يقضون ليلتهم ؟ قال في البساتين العامرة بأجود أنواع التمور والتي تحيط بالمدينة الصغيرة . يجلبون معهم أغطية وأفرشة خفيفة . يسمرون ويأكلون ويشربون في البساتين حتى ساعة متأخرة من الليل . ثم يزورون نبيهم مرة ثانية صباح اليوم التالي وقُبيّلَ مغادرتهم المقام يرطبون القبر برش ما تبقى لديهم من الخمور قائلين ((إ سكرْ يا كفل )) . هذا ما كان يتناقله أهل ناحية الكفل .

 

2- أيلول 1959

 

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية في دار المعلمين العالية في بغداد صدر أمر تعييني مديرا لمتوسطة ناحية الكفل التي تم افتتاحها في زمني ولأول مرة في تأريخ الناحية. ففي سجلاتها اليوم صورتي وتواقيعي على الكتب الرسمية وباقي المعاملات . تم افتتاح صفين فقط هما الأول المتوسط والثاني . وكانت شبه ثورة في المدينة الصغيرة المحافظة إذْ سجّلتْ في المدرسة طالبة من أهالي المدينة إسمها الكامل ( هناء محسن الذرب ) .  توليت أنا تدريس كافة المواد العلمية واللغة الإنجليزية لكلا الصفين بينما تولّى صديقي شوكت عباس تدريس المواضيع الأخرى من لغة عربية وتأريخ وجغرافية . بقيت لدينا مواد أخرى ليست من اختصاصي ولا هي من اختصاص الأستاذ شوكت . تقاسمناها مناصفة : له دروس الدين وعلي دروس الرياضة !!ّ

كانت تربط عائلتي منذ زمن علاقات متينة مع أل الذرب الذين توزعوا ما بين  الكفل ومدينتي الحلة . فكان متوقعا أن يزورني في مدرستي الحاج محمد الذرب وأن يدعوني على الغداء في بيته في مدينة الكفل. قبلت الدعوة بعد تردد . أفاض الرجل في كرم الضيافة المعروف عنه .. 

سقتُ هذه الحكاية لأن كاتبَ مقالة صحيفة المؤتمر سالفة الذكر قد ذكر الحاج ذرب رئيسا لمدينة الكفل آواخر القرن التاسع عشر ( 1886 ) . الحاج محمد هو ابن الحاج ذرب أو ربما حفيده . هناك شائعات خجولة كنت أعرفها تدور في مدينة الكفل مؤداها أن الحاج محمد الذرب ( أبو الحاج جاسم )  هو مسؤول مقام الكفل وأن بعض أثرياء اليهود أوصوه أو أوكلوا اليه هذه المهمة قُبيل هجرتهم الى إسرائيل . كانت لبعضهم أراض لزراعة نوع فاخر من الرز وللبعض الآخر بساتين .

أعود الى نبيِّ الله أو وليِّ الله الكفل . بعد وليمة الحاج محمد الذرب الذي أكنُّ له أعلى مقامات الإعتزاز والإحترام طلبت منه أن يريني مقام الكفل. قادني الرجل بهيبته وقامته المديدة وعباءته السوداء خلال بعض الدرابين الى المكان الذي رأيت صيف عام 1946. رأيت بعض أجزائه قد تهدم فعلا ولم تُجرَ له أية أعمال صيانة.  دخلت غرفة قبر ذي الكفل فرأيت الدكة - القبرعاريا أجردَ مجصصاً بشكل جيد ولم يمسسه أحد بسوء. كان القبر كما رأيته قبل ثلاثة عشرعاما ولكنْ بدون كسوة القماش الثمين.

 

 إذاً قد آلَ مصيرُ الكفل الى خراب بعد هجرة اليهود العراقيين الى دولتهم العبرية وليس في زماننا هذا . لقد التحق بدولة اسرائيل من كان يصونه ويتعهده بالرعاية وخدمة مَنْ كان يؤمّهُ حاجّاً أو زائراً أو ترفيهاً عن النفس . هل نتوقع ممن قصف النجف الأشرف ومراقد علي والحسين والعباس بصواريخ أرض - أرض أن يهتم بصيانة قبر ولي أو نبي يهودي ؟ هل طالب أحدٌ السفاح النازي ومجرم الحرب شارون أن يكف عن قتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم على رؤوسهم وتجريف مزارعهم ؟

 

ملاحظات لا بد منها /

 

أولا - لقد أخطأ كاتب مقالة صحيفة المؤتمر إذْ أفاد بأنْ (( لم يَدُرْ بخلد الملك البابلي نبوخذنصر أن مع المسبيين نبيا سيأتيه الوحي بعد بضعة سنوات من السبي ... الخ )) ثم يقول (( وذو الكفل هو النبي حزقيال .... )) . لو رجع هذا الكاتبُ الى العهد القديم ، الى ( سفر دانيال ) وقرأه جيدا لتبينت له أمور أخرى . فلقد كان دانيال ، وهو من بني يهوذا ، المتنبيء وعرّافُ الملك البابلي نبوخذنصر ومفسّرُ رؤياه التي عجز (( كل المجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون )) عن تفسيرها . فأحسن جرّاء ذلك اليه وأكرمه : (( حينئذ عظّم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطه على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل )). ودانيال هذا هو الذي طرحه الملكُ الماديُّ داريوس في جب الأسود فلم تتعرض له كما تقول التوراة بأذى.

ثانيا - لم يرد في التوراة أيُّ ذكرٍ لنبيٍّ بأسم ذي الكفل أبدا ! فكيف يكون ذو الكفل هو حزقيال الكاهن ؟ والكاهن هو المتكهِّن ( من الكهانة) والكهانة ليست كالنبوة .  من سفر ( حزقيال ) :

(( في الخامس من الشهر وهي السنة الخامسة من سبي يهوياكين الملك - وليس يهوياكيم كما ورد في بنيامين الأندلسي - صار كلام الرب الى حزقيال الكاهن إبن بوزي في أرض الكلدانيين عند نهر خابور )). ما علاقة نهر الخابور ببابل ؟ الخابور في شمال العراق وبابل الكلدانية في وسطه كما يعرف الجميع. ومن أين أتى بنيامين الأندلسي هذا بالرقم 25000 يهودي الذين شيدوا مدفن حزقيال مع يهوياكين لما أطلق سراحه إيل مردوخ ؟ يأتي إسمُ إيل مردوخ في التوراة على شكل أويل مردوخ وهو ملك بابل بعد نبوخذنصر. فلنستمع الى ما تقوله التوراة نفسها في سفر الملوك الثاني والمفروض في بنيامين الأندلسي أن يفهم توراته أفضل مني (( ... وجاء نبوخذ ناصر - وليس نبوخذ نصر - ملك بابل على المدينة وكان عبيده يحاصرونها. فخرج يهوياكين ملك يهوذا الى ملك بابل هو وأمّهُ وعبيدهُ ورؤساؤهُ وخصيانهُ وأخذه ملك بابل في السنة الثامنة من ملكه )) . ثم , وهذا هو المهم (( وسبي كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي وجميع الصناع والأقيان )). الرقم إذاً هو عشرة آلاف وليس 25000 .

ما كان قد إدّعى أحدٌ قبل ولا بعد ( بنيامين الأندلسي ) أنَ ملكَ يهوذا المسبي يهوياكين كان قد بنى قبرا لذي الكفل . نقرأ في سفر " الملوك الثاني " / الأصحاح الخامس والعشرون / 27 - 30  ما يلي (( وفي السنة السابعة والثلاثين لسبي يهوياكيم ملك يهوذا في الشهر الثاني عشر في السابع والعشرين من الشهر رفع أويل مردوخ ملك بابل في سنة تملكه رأس يهوياكين ملك يهوذا من السجن وكلمه بخير وجعل كرسيه فوق كراسي الملوك الذين معه في بابل . وغيّرَ ثيابَ سجنه وكان يأكل دائما الخبز أمامه كل أيام حياته. ووظيفته وظيفة دائمة تعطى له من عند الملك أمر كل يوم بيومه كل أيام حياته )) . لا ذكرَ إذاً لبناءٍ من أي نوع كان ... لا مراقد أولياء ولا سواها البتة خاصة وأن منطقة الكفل تبعد عن مركز العاصمة البابلية بحوالي أربعين كيلومترا بتمامها ، جنوبيِّ مدينة الحلة الحالية . فلماذا يُدفنُ بعضُ الأولياء هناك وليس في أو قريبا من بابل ؟ لا علاقة إذاً لحزقيال بذي الكفل وما كان حزقيال بدوره رائيا لنبوخذ نصر ولا عرّافاً ولا مُعبِّرَ رؤيا .

ثالثا - لقد أخطأ الرحالة الشهير ابن بطوطة ثلاث مرات . أخطأ في الأولى تسمية محل معروف يسميه أهل الحلة وضواحيها ( بِرِسْ , بكسر حرفي الباء والراء وتسكين حرف السين ) . فقد أسماه الرحالة الشهير

( برص ) ... لكأنّما إشتقه من إسم داء البرص أو من إسم الحيوان الزاحف أبي بريص . كلا ، بل هو بِرِسْ . وفي العراق أغنية قديمة معروفة تقول

 

                    أصبح برس غرقان من دمع العيونْ

                   وأنطي للمبشرين بوسة من العيونْ

 

قد تكون الأغنية من غناء المطربة العراقية اليهودية سليمة مراد.

يقع برس على يمين الطريق التي تربط الحلة صعودا الى الكفل وليس بين الحلة وبغداد حسب إبن بطوطة . وكان هذا خطأه الثاني . أما الخطأ الثالث ففي إعتبار إبن بطوطة أن برس هو مكان مولد ابراهيم . مكان مولد ابراهيم حسب التوراة هو ( أور الكلدانيين ) . الكلدانيون هم قوم نبوخذنصر أي قوم بابل الثانية . وأور هي المدينة السومرية التي نعرف . وأور مازالت محطة للقطار النازل من بغداد نحو البصرة تابعة لمحافظة ذي قار ( الناصرية ) . فما المقصود بالضبط بأور الكلدانيين مكانا لمولد ابراهيم ؟ بابل الحلة أم أور الناصرية ؟ ولعل سليمة مراد اياها هي صاحبة أغنية :

             للناصرية للناصرية

             تعطش وأشربك ماي بإثنين أيديه .

 

رابعا : تعقيبات إضافية مُستجّدة  -

 

في رده على تعقيبي, قال السيد محرر جريدة " المؤتمر " الصادرة  بتأريخ السبت 16 - 22 آذار 2002 , العدد 296 ما يلي :

 

(( المصادر الإسلامية ومنها قصص الأنبياء أكدت أن النبي حزقيال هو النبي ذو الكفل الراقد على حدوة الفرات قرب بابل )) .

لدى رجوعي لكتاب إبن كثير الموسوم ( قصص الأنبياء ) من منشورات دار مكتبة الحياة . بيروت / دون ذكر لتأريخ نشر الكتاب ... تبيّن لي ما يلي :

1- كرّس المؤلف الصفحات 277 - 278 - 279 للبحث في موضوع الكفل أو ذي الكفل فقط . لا ذكر لحزقيال أبداً . وقد ذكر الآيات التالية :

(( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين . وأدخلناهم في رحمتنا من الصالحين )) / سورة الأنبياء / الآيتان 85 و 86 .

ثم (( وأذكر عبادنا إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ أولي الأيدي والأبصار . إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار . وأذكر اسماعيلَ وأليسعَ وذا الكفل وكلٌّ من الأخيار )) / سورة ص / الآيات 45 - 48 . ثم علق قائلا : (( فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي ، عليه من ربه الصلاة والسلام ، وهذا هو المشهور)) ثم قال (( وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وانما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا . وتوقف ابن جرير في ذلك  فالله أعلم )) . ثم قال (( وروى ابن جرير وأبو نجيح عن مجاهد : أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحاً )) . ثم يضيف إبن كثير (( وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسمي ذا الكفل )) . ثم يسرد ابن كثير كلاما طويلا حول الظرف والشروط التي اشترطها ( أليسع ) فيمن سيخلفه عندما كبر قائلا (( من يتقبل مني بثلاث أستخلفه : يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب )) . ثم ساق أحاديثَ تنتهي عند أبي موسى الأشعري قال (( سمعتُ أبا موسى رضي الله عنه وهو على هذا المنبر يقول : ما كان ذو الكفل نبيا ولكن كان رجل صالح - هكذا وردت - يصلي مائة صلاة فتكفل له ذو الكفل من بعده - المقصود أليسع - فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل )) . وهناك أحاديث أُخَر ينتهي بها إبن عمر الى الرسول الكريم حول شخصية الكفل الذي أغوى بماله إمرأة محصّنة  ثم تعفف وتراجع عما كان يروم إذ علم أنها لم تمارس ما أراد منها من قبل (( فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل )) . يعقب ابن كثير قائلا (( وان كان محفوظا - يقصد هذا الحديث الأخير - فليس هو ذا الكفل وانما لفظ الحديث الكفل من غير اضافة فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن فالله تعالى أعلم )) .                                                                  

سأعود فيما بعد لمسألة تعدد الأشخاص الذين يحملون اسم الكفل أو ذي الكفل واتساع رقعة قبورهم وأضرحتهم عند عرضي لخلاصة ما قرأت في قاموس الأسلام حول مشكل ومعضلة لغز الكفل .

2- لقد أفرد ابن كثير في كتابه ( قصص الأنبياء ) عنوانا مستقلا باسم

( قصة حزقيل ) شغل بها بشكل أساسيٍّ الصفحات 476 - 477 ولم يتطرق البتة لذكر ذي الكفل . والموضوع أصلا لا علاقة له بأي اسم علم ممن نعرف من أسماء الأنبياء أو الأولياء الصالحين . انما يتعلق الأمر بتفسير الأية 243 من سورة البقرة (( ألمْ ترَ الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ان الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون )). لقد اسهب المفسرون في تفصيل أسباب نزول هذه الآية واختلفوا أيما اختلاف فيما بينهم . لكنَّ المهم أنَّ كلَّ ما قالوه لم يخصّوا به إلا حزقيال ( ونسميه في العراق حسقيل ) . سأستعير الفقرات الأخيرة حول هذا الموضوع لأن فيها تناقضاً صارخاً مع ما سبق وأن قيل في ذي الكفل ( الصفحات 277 - 278 - 279 ) :

 

((  قال محمد بن إسحاق ولم يذكرْ لنا مدة لبث حزقيال في بني اسرائيل. ثم إنَّ اللهَ قبضه اليه . فلما قُبضَ نسيَ بنو إسرائيلَ عهدَ الله اليهم وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان . وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل . فبعث الله اليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران )) . ثم يقول ابن كثير (( قلت : وقد قدمنا قصة الياس تبعا لقصة الخضر لأنهما يقرنان الذكر غالبا . ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك والله أعلم )) . ثم يعقب مرة أخرى قائلا (( قال محمد بن اسحق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال : ثم تنبأ فيهم بعد الياس وصيه أليسع بن أخطوب عليه السلام ... )) . لا بدَّ لي هنا أن أشير الى الخطأ والى التناقض في هاتين الروايتين . ففي القسم السابق الخاص بذي الكفل رأينا أن أليسع لما كبر كان قد استخلف ذا الكفل من بعده . وقد ورد فعلا ذكر ذي الكفل بعد أليسع في القرآن(( وأذكر اسماعيل وأليسع وذا الكفل ..)) أي : أليسع ---- ثم ذو الكفل ( أليسع هنا يأتي قبل ذا الكفل ) أما هنا في القسم المكرس لحزقيال فمسلسل انبيائهم يأخذ منحى معاكس لحالة ذي الكفل أي  حزقيال --- ألياس بن ياسين --- أليسع بن أخطوب . ( وهنا يأتي أليسع حتى بعد خليفة حزقيال ) . فهل نحن أمام شخصين مختلفين يحملان نفس الأسم

" أليسع " وكيف سنفسر هذين المسلسلين المتناقضين مفترضين أن ذا الكفل هو حزقيال بعينه ؟ هذا ما قد وجدت في كتاب " قصص الأنبياء "  لأبن كثير الذي أشار اليه أحد محرري " المؤتمر " . لا نص فيه صريح يعتبر أن ذا الكفل هو حزقيال . ولا فيه نص قاطع يثبت أن ذا الكفل نبيا كان . ثم الخطأ البين في التسلسل الزمني لفترات نبوة هؤلاء القوم ان كانوا أنبياء فعلا !!!

 

خامسا :    مع القاموس الأسلامي

 

ساقدم هنا خلاصات موجزة لما وجدته في القاموس الإسلامي من معلومات حول ذي الكفل . القاموس المتوفر لديَّ هو طبعة ليدن للعام 1941 . على الصفحات 97 - 98 :

1- هناك التباس كبير حول شخصية ذي الكفل.

2- وهناك الكثير من القبور والمقامات لأولياء تنسب ل ( ذي الكفل )  تنتشر على رقعة اسلامية واسعة تمتد من فلسطين حتى بلخ ..

3- وأن ( ذو ) هي ملحق يندمج مع غيره فيكون الأسم مزدوجا تماما كحالة الإسم ( ذو النون ) والنون هو الحوت أو السمكة . وذو النون هو صاحب الحوت . كما نقول (  الأسكندرذو القرنين ) وذو النؤاستين وذو الرئاستين وذو النورين .  كذلك فان يعقوب هو اسرائيل وأن عيسى هو المسيح .... كما ورد في القاموس .

4- والكفل هو نوع خاص من الملابس يتكون من قطعتين كالذي يلفه حول أجسادهم اليوم رجال  بعض الديانات ( البوذيون والهندوس وبعض الأثيوبيين ... هذه الأضافة مني ) ومن يرتدي هذا النوع من الملابس ينسب اليها فيدعى ذو الكفل .

5- هنالك قبة تدعى (  قبة النبي كفل ) في منطقة تسمى ( كفل حارس ) بالقرب من مدينة نابلس في فلسطين .

6- يوجد في الوقت الحاضر قبر لذي الكفل في مدينة الكفل التي كانت تعرف ( بير ملاحة ) أو بر ملاحة والتي تقع الى الغرب من قناة الهندية جنوبي الحلة في بلاد ما بين النهرين ( ولاية بغداد، لواء كربلاء ، قضاء الهندية ) فيها عدد كبير من القبور يعتقد اليهود أن أحد هذه القبور لرجل جليل المقام يقصده اليهود للحج ويعتقد أن اسمه (( حزقيال )) .

هذه خلاصة ما قرأت في القاموس الأسلامي باللغة الألمانية فيما يتعلق بذي الكفل . مما  توفّرَ لديَّ من معلومات ثبّتها آنفا ، قد يبدو لي أنَّ الكفل أو ذا الكفل كان رجلا يهوديا تقيا أو ( رابي أو حاخام ) عاش ومات في الفترة ما بين المسيحية وظهور الإسلام . ولا علاقة له بحزقيال أو

( حسقيل ... كما كنا نسميه في العراق ) الذي جاء بابلَ في جملة من سباهم ملك بابل نبوخذنصر . لذا لم يردْ أيُّ ذكرٍ لذي الكفل في التوراة وعلى وجه الإطلاق. كما أنَّ هناك الكثير من القبور تنتشر على رقعة كبيرة تمتد من فلسطين حتى بلخ كلها تنسب لذي الكفل . وأن كل من يرتدي نوعا من الملابس التي تسمى ( كفل ) هو بالضرورة ذو الكفل .

ثم ، لماذا يكون لحزقيال قبرٌ ومقامٌ ولا يكون مثلهما لدانيال الأكثر منه شهرةً والأرفعَ مقاماً في قصر الملك البابلي نبوخذنصر ؟ فلنقرأ العهد الجديد جيدا ..

آخر ما يحيّر المتسائل : لماذا يُدفنُ وليٌّ يهوديٌّ بعيدا عن مركز العاصمة بابل ؟ والكفل إسم منطقة أساسا كانت تسمى ( بير أو بر ملاحة ) صادف ولسبب ما أن دفن فيها هذا الرجل فأطلق اسمه عليها . بير أو بر ملاحة قد يكون اسما سريانيا أو أراميا و ملاحة ربما تشير أو تعني ( ملح )  : بير الملح أو بيرالماء المالح .

إنَّ الرحالة ابن بطوطة الذي اعتمده صاحب مقالة صحيفة المؤتمر مصدرا لمعلوماته كان قد ورد مدينة الحلة وقال في رحلته (( ... ونزلنا بر ملاحة وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت بخارجها وكرهت دخولها لأن أهلها روافض ورحلنا منها الصبح فنزلنا مدينة الحلة .... )) . هذا الكلام منقول عن كتاب تأريخ الحلة للشيخ يوسف كركوش / الجزء الأول / منشورات المكتبة الحيدرية في النجف / عام 1965 . الصفحة 96 . كما ورد في ذات المصدر ما يلي (( في سنة 711 هجرية قتل السيد تاج الدين أبو الفضل محمد بن مجد الدين الحسيني الآوي . كان هذا السيد يقيم في قرية بر ملاحة " الكفل " . )) / الصفحات 88 - 89 .

 * ارسل الموضوع من قبل السيد مظلوم عباس الجرميخ