أقلام بابلون تايمز

 

 

 

ذو الكفل ليس حزقيال . . . والتاريخ يشهد له

 

بقلم عامر هادي الذرب

     ذو الكفل النبي عند المسلمين ، وهو من سلالة النبي إسماعيل بِـِكْر النبي إبراهيم ، وإسماعيل هذا هو المَعين التاريخي الرابط للعرب المسلمين ، والمغاير في كثير من الأحيان والسمات للمعين التاريخي الذي يجمع بين اليهود وبعض المسيحيين اللذان يرتبطان بإسحاق بن إبراهيم ، والمصادر الإسماعيلية لم تتعرض للتشويه والتزوير المتعمدين بذات المقدار الذي تعرض له الموروث التابع للديانتين ، لاسيما ما حصل لكتاب التوراة : الكتاب المقدس عند الديانتين اليهودية والمسيحية ، لذلك لم يكن للنبي ذي الكفل ذكرٌ في كتاب التوراة ، إنما تم ذكره في القرآن الكريم ، الكتاب المقدس عند المسلمين ، الذي لم يتعرض للتزوير أو التشويه بنص إحدى الآيات القرآنية ، والاِهتمام الاِستثنائي الذي حظي به عند جمعه في مرحلة مبكرة ، في زمن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان ، وتضمنت الآيتان اللتان ذكرتا النبي ذو الكفل قول الله تعالى التالي : "وأذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌ من الأخيار" ، سورة  ، الآية 48 ، أما الموقع الأخر لذكره فكان على الشكل التالي : "وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين" ، السورة  ، الآية 58 .

    الملاحظة هنا والجديرة بالاِنتباه والتفكير هي مسألة إقران اِسم النبي ذي الكفل باِسم النبي إسماعيل في الآيتين أعلاه ، والدلالة هنا تتعلق بطبيعة الرابطة البيلوجية بينهما ، إذاً ، فلا سبيل موضوعي يبرر الخلط بين ذي الكفل : النبي عند المسلمين ، من ناحية ، وحزقيال : النبي عند اليهود ، من ناحية أخرى ، ولكن ـ كما نعتقد ـ منبع الخلط بينهما ، قد نجم عن كونهما مدفونين في مكان واحد ولهما مقام مشتـرك رغم أنَّ مرقدين متباينان يضمان قبرهما ، الأمر الذي جعل البعض يقول : إنَّ ذي الكفل هو حزقيال ذاته ، إنه خطأ تاريخي بين وبدلالة الكثير من الشواهد .

    في تفسير القرطبي عن الترمذي يرد القول التالي : "ومما ينبغي التنبه له أنَّ ذا الكفل الذي ذكره القرآن ، هو غير الكفل الذي ذُكِر في الحديث الشريف ، ونص الحديث الشريف ، كما رواه الإمام أحمد منقولاً عن اِبن عمر هو التالي :"كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله ، فأتته اِمرأة فأعطـاها سـتين ديناراً على أنْ يطـأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من اِمرأته ، أرعدت وبكت ، فقال لها ، ما يبكيك ؟ أكرهتك ؟ قالت : لا ، ولكن هذا عمل لم أعمله قط ، وإنما حملتني عليه الحاجة . . . قال : فتفعلين هذا ولم تفعلينه قط ؟ ، ثم نزل عنها وقال لها : اِذهبي بالدنانير لك ، ثم قال : والله لا يعصي الكفل الله أبداً ، فمات في ليلته . . . فأصبح مكتوباً على باب قبره : غفر الله للكفل ، من كل ذلك يستخلص الترمذي التالي وهو في معرض التأكيد : "فليس هو ذا الكفل المذكور في القرآن ، وإنما لفظ الحديث الكفل من غير إضافة . . . أي إضافة ذا الكفل" .

    نستدل من هذا الحديث الشريف عند الوقوف أمام جملة معانيه وملابساته : "كان الكفل من بني إسـرائيل" ، والحديث النبوي الشـريف قد فرّق بين الكفل اليهودي وذي الكفل النبي المذكور في القرآن الكريم ، وتأكيد الحديث الشريف على جملة : كان الكفل من بني إسرائيل ، هو مبعث الخلط عند البعض وأساس الوهم لديه ، لذا يمكن القول : أنَّ ورود هذا النص وعدم المتابعة في مختلف الروايات التاريخية وعدم الدقة في الشرح والتفسير ، ناهيك عن القراءة المتعجلة ، هو مكمن الخلط ودواعي الاِلتباس عند البعض الذي لم يميز بين ذي الكفل : النبي الإسماعيلي المذكور في القرآن الكريم ، والنبي اليهودي حزقيال : نبي المنفى عند اليهود .

    ورغم التباين الجذري ، وعلى كل الصعد ، بين الديانتين الإسلامية واليهودية في جوهر العقيدة وممارساتهما ، فقد تم الاِتفاق الضمني على أنْ يكون المرقد يحمل اِسم ذي الكفل الذي عجز أغلب المسلمين الأولين عن معرفة هويته ، وتمييزه عن حزقيال : النبي عند اليهود ، وذلك للأسباب الآتية :

    أولاً : إنَّ التسمية الجديدة لحزقيال التي صار إليه من وجهة نظر البعض ، باِسم ذي الكفل ، قد أثلجت صدور اليهود بسبب نابع من اِحترام المسلمين للأنبياء السابقين كلهم ، ولحماية مرقد نبيهم كون المرقد يشغل مكان مقدس مشترك ، إذ أنه [أي المكان وبالتالي المرقد] ليس خاصاً باليهود فقط ، فيتجرأ البعض على المساس بحرمته لسبب ما .

    ثانياً : أصبح المجال أمام اليهود مفتوحاً ، ويتيح لهم بشكل يسير ويتسم بالسهولة للتجاوز على المساحة عبر القضم والضم والتوسع عبر وسائل خبيثة تحاول تصوير الأمر على أنه إصلاح وبناء وترميم . . . إلى ما شاكل ذلك .

   ثالثاً : ربما يكمن وراء نشر الروايات المضللة أو المزورة أو الموضوعة عقل منظم اِكتسب خبرات مضافة جراء التجارب والمحن التي مر بها اليهود من أسر وترحيل ونفي ، فاِتسم على الدوام بالمكر والخديعة والدهاء يحاول نشر مفسدة بما يزعم أنه مصلحة .

   رابعاً : وأخيراً . . . فقد أصبح للمدينة حُلةً جديدة واِسم جديد يتمثل بمدينة الكفل نسبة لصاحب المرقد الذي سمي بـ"ذو الكفل" ، وما ينطوي عليه ذلك التكوين المعماري الجديد ، من رهبة ورغبة توفر ظروفاً أفضل  لحماية المكان المشترك لمرقدي النبيين : ذو الكفل وحزقيال ، باِنتظار تغبر الأحوال والأزمان .

     وحسب الرأي الحصيف الذي يحاول تصحيح بعض المفاهيم ودحض بعض الآراء للباحث السيد محمد محمود هنيدي عند تقليب الحجج والرؤى الخاصة بهذا الصدد والمطروحة للملأ بغية نشر الأخطاء التاريخية وإشاعتها بين الناس ، إذ يقول :"يعتقد بعض المسلمين أنَّ حزقيال هو ذو الكفل عندنا ، ولم يثبت لديَ ذلك" ، وفي أية حال ، فإنَّ تسمية المدينة باِسم الكفل تعد تسمية حديثة تقريباً ، وذلك قياساً إلى عمق المدينة التاريخي القديم ، والمنغرس في الماضي السحيق ، وعلينا إيراد بعض الأسماء التي تم تداولها في الماضي ، سواء في كتب التاريخ أو ما تناقله بعض الناس شفاهاً ، حسب قوة وجود "الحاكم" وسطوته وجبروته ، أو المقرونة بمركزه الديني ودوره المؤثر في محيطه أو تقديمه الخدمات الجليلة للسكان القاطنين فيها أو الدفاع عنها بوجه الغزاة  .

     ومن بين الأسماء العديدة التي أطـْلِقتْ سابقاً على المدينة هي الأسماء التالية : شوشة ، النخيلة ، القسونات ، بر ملاحة ، وكان هذا الاِسم الأخير ملازماً لها وبه عـُرفَتْ لفترات طويلة ، وغيرها من الأسماء الأخرى التي من بينها التاجية ، ومملكة مزيد في أربعينات القرن الماضي ، واِسمه الكامل مزيد هاتف الذرب [كان يردد تلك المعلومة / التسمية طيب الذكر ناظم كاظم العبد]، ويقول الباحث السيد حسن الهنداوي التالي لقد شاع الاِسم الجديد : ذي الكفل "في أوائل العهد العثماني ، في حين ذكرها البلدانيون الرحالة باِسم "القسونات" ، وكان اِسمها قبل الإسلام "بانقيا" بكسر النون ، وسميت ـ كذلك ـ بـ"التاجية" نسبة إلى السيد تاج الدين الآوي ، الذي سنفرد له بحثاً خاصاً في نهاية هذه الدراسة الذي حاول البعض نثر الغموض على سيرته العلمية / الدينية وتغييب مركزه السياسي وشطب دوره في بعض الفترات التاريخية  .

    عند الخوض في الكتب التاريخية القديمة ، والتدقيق في المصادر الإسلامية ، نجد تضارباً عجيباً عند البعض من المؤرخين المسلمين ، وتبايناً مريباً عند البعض الآخر الذي لم يتفحص المعلومات ويوازن بينها ويقارن محتوياتها لفصل الحقيقة وتثبيتها ودحض الأوهام والأباطيل ، بخصوص النبي ذي الكفل رغم أنَّ القرآن ذكره في آيتين ، كما قلنا أعلاه ، والكتاب المقدس هذا هو الكتاب المنزل والأوثق عندهم ، ولا نجد غير المسعودي : المؤرخ الجليل والنبيه يتناول الأمور من منظار الحقيقة العينية الملموسة ، فهو يفرز الظاهرة ويميز تفصيلاتها ما بين النبي حزقيال ، من جهة ، والنبي ذي الكفل ، من جهة أخرى ، وذلك في قوله التالي : "إنَّ حزقيال والياس وذا الكفل وأيوب كانوا بعد سليمان" النبي ، فيما نجد الفوضى تضرب أطنابها ويسود الاِضطراب وتنتشر مفاهيم الضياع والتخبط عند كلٍ من الثعالبي والترمذي واِبن كثير والكرماني والمجلسي ، بالإضافة إلى أن تلك السمات المتضاربة والمريبة قد طبعت بميسمها المتخبط موسوعة الأنبياء ، والموسوعة الإسلامية ، وقصص الأنبياء والرسل ، ومصادر أخرى ، تأخذ عنهم  .

     وتشير تلك المصادر إلى وجود خلافات في منظومة الروايات واِختلافات جوهرية حول اِسمه ، وسماته الشخصية ، وأيضاً في تقرير حقيقة نبوته من عدمها : [هل هو نبي أم رجل صالح ؟] ، علاوة على كل ذلك ، تسود أنواع من التكهنات الصارخة حول حقيقة اِسمه ، كما قيل بصدد النبي ذي الكفل ، فعلى سبيل المثال قيل أنَّ اٍِسمه هو بشر بن أيوب جاء بعد حومل ، وقيل ذو الكفل هو نفسه ذي القرنين ، وقيل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق : بِكر يعقوب ، وقيل اليسع عليه السلام قد اِستخلف ذي الكفل من بعده ، وبذكر الثعالبي في كتاب العرائس التالي " "قال بعضهم ذو الكفل بشر بن أيوب" ، كما رجح اِبن كثير في  موسوعته التاريخية : البداية والنهاية ، إلى أنه نبي لأن اِسمه جاء مقروناً باِسم النبي إسماعيل في القرآن ، وقيل أنه سمي بذي الكفل لأنه تكفل اليهود بني قومه لدى القائد الملك نبو خذ نصر ، وجاء في بحار الأنوار للمجلسي ، وفي الجزء الثالث عشر والرابع عشر ما فحواه "قال الفيروز آبادي : حزقيل أو حزقل كزبرج وزنيل اِسم نبي من الأنبياء وهو بالحاء المهملة والزاي المعجمة" ، وزعم المجلسي بأن ذا الكفل قد أحيا بقدرة الله سبعين ألف إنسان بعد أنْ كانوا قد توفوا بمرض الطاعون ، وهو خبر يتسم باللاعقلانية كما هي غالبية الأخبار التي يتداولها أو ينقلها العلامة المجلسي في بحاره الذي يجمل الغث والسمين ، كما هو حال البحر الطبيعي .

    إلا أنَّ هناك شبه إجماع يتسم بالشلل وعدم الدقة ، يفيد على أنَّ النبي ذو الكفل هو بشر بن أيوب ، والخبر هذا يأتي بشـكل مكرر وعلى هذا النحو : "يقول أهل التاريخ هو بشـر بن أيوب وسـماه ذا الكفل ، وكان مقامه في الشام ، وأهل دمشق يتناقلون أنَّ له قبراُ في جبل قاسيون" ، ولكن هذا الخبر متناقض مع كل الروايات الحصيفة التي مرَّ ذكرها ، التي قيل أن كان من الأنبياء ، فقد روى عبد العظيم الحسيني  ذلك في كتاب النبوة ، أنه كتبت إلى أبي جعفر الباقر : بن علي بن الحسين ،  [ع] ، أسأله عن ذي الكفل وما اِسمه . . . ، إلخ ، فأجاب بالشكل التالي : "والظاهر أنه من الأنبياء ـ كما ذُكر آنفاً ـ لأته جرى ذكره في سياق الحديث عن الأنبياء ، كإسماعيل وإدريس وذو النون وزكريا . . ." ، وقد وصفه الله ، كما وصف إسماعيل وإدريس ، بأنه من الصالحين ، وذلك في قوله تعالى : "وأدخلناهم في رحمتنا أنهم من الصالحين" ، [سورة الأنبياء ، الآية رقم 86] ، وهذا هو الوصف الذي تكرر في القرآن المجيد ، الكتاب المقدس عند المسلمين ، في وصف بعض الأنبياء ، وبهذه العظمة وهذه النعوت المنصفة نختتم رؤيتنا حول نبي الله ذي الكفل عليه السلام .   

    وأجمل ما نختتم به الحديث عن النبي ذي الكفل وبمناسبة الاِستشهاد بالعلامة المجلسي ، هو إيراد رأي خاص لفقيد الإسلام المجتهد آية الله السيد محمد حسين فضل الله ، وهو المتبحر في دقائق الشؤون الإسلامية ومختلف أمورها الفكرية الشائكة ، نورده كونه يتجنب الخلط أو الحديث بروح المبالغة التي كانت عند البعض أو الإشارة إلى المكان / (المقام) ، علماً أنَّ هذا العالم الجليل الذي اِنتقل إلى جوار الملأ الأعلى قبل فترة وجيزة ، هو اِبن مدينة النجف الأشرف القريبة من مدينة الكفل ، قبل أنْ يكون لبنانياً ، بحكم ولادته ودراسته في المدارس العلمية الدينية هناك . . . يقول السيد فضل الله : " . . . قال البعض إنه رجل صالح عاش حياته في صلاح من إيمانه بالله ، وتوحيده له ، ومن أخلاقه الحسنة التي كان ينفتح بها على ما يصلح أمور الناس في قضاء حاجاتهم وتخفيف آلامهم ، وتيسير أوضاعهم والإحسان إليهم والاِهتمام بقضاياهم وحل مشاكلهم ، إنه كان يصوم النهار وبقوم الليل في عبادته لله ، ويتسع صدره لمن يسيء إليه ، ويدرأ بالحسنة السيئة ، فلا يغضب ، ولا ينفعل ، ويعمل بالحق في كل مواقفه ـ ولكنه لم يكن نبياً حسب هذا الرأي ـ وهذا هو الذي قربه لله ، فشكرَ له ورفع درجته ، حتى جعله في الدرجة الرفيعة عنده" ، وإذا تمعنا في ما يورده السيد المجتهد فضل الله من صفات وسمات تتعلق بالنبي ذي الكفل ، فإننا نرى تلك الصفات المطلوبة بمعايير السلوك الإسلامي المثالي ، كما هي صفات الرسول الأعظم ، ص ، وما جاء في نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب ، من حث على ذلك السلوك القويم ، فهل كان السيد فضل الله يتخيل تلك السمات عند ذي الكفل ، أو هي حقاً من صفاته الثابتة ، فالواحد العليم القهار هو الأفضل معرفة والمطلع على أسرار القلوب .

 

    الأول من شهر آب 2010

  
   المصدر : شبكة انباء بابل  www.babylontimes.net